call

  footertwittericon linkedinicon

bn550

السؤال

ملخص السؤال:

فتاة تشكو مِن بعض أقاربها الذين يتعاملون مع الناس بخُبث، ويحاولون الوقيعة بينهم، وهي لا تستطيع التعامل معهم، وتريد بعض النصائح.

تفاصيل السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أخاف الله تعالى، وأتعامل مع الناسِ بخُلُق حَسَنٍ، إلا أنَّ أسرة أحد أقاربي لا تصلي ولا تتقي الله فيما تفعل، وهي أسرةٌ خبيثة في التعامل، وأفرادها ظالمون لمن حولهم، افتروا على أمي، وخاصم خالي أمي ووالدته عامًا كاملًا، وخسر كل إخوته.

 

لم أَسْلَمْ أنا أيضًا منهم؛ فقد تكلَّموا عني بالباطل، وحاولوا فسخَ خطبتي بالكذب، حاولتُ معاملتهم باحترامٍ لكن لم ينفعْ، وبقي أسلوبُهم الوضيع ينخُر في الأهل، حتى أوقعوا الناس في المشكلات.

 

يَتعامَلون بالحقدِ والحسدِ والغيرة، وأنا لا أحبُّ هذه المعاملة، وأتعب منها، وتعبتُ مِن الشحن السلبي لقلبي، حتى شعرتُ أن قلبي أصبح أسود.

 

أخبِروني ماذا أفعل؟ وكيف أتعامل مع مثل هؤلاء؟

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أتى رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، إنَّ لي قرابةً أَصِلُهم ويقطعوني، وأُحسن إليهم ويُسيئون إلي، وأَحْلُم عنهم ويجهلون علي، فقال: ((لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنَّما تُسِفُّهم الملَّ، ولا يزال معك مِن الله ظهير عليهم ما دمتَ ذلك))؛ رواه مسلم.

 

والملُّ هو: الرمادُ الحار؛ ليبينَ قُبح ما يَقْتَرِفون، وسوء ما يَعمَلون، ولا يخفى على الله فِعلُهم، ولا تستر أعمالهم.

لكن هل هذا الحديث مُطلق في جميع الأحوال؟

الجواب: لا.

فعلى المؤمنِ العاقلِ أن يكونَ أكيس مِن أن يَنْخَدِعَ بمن حوله، ويُلدغ مِن جُحور أصحاب الأنفس الخبيثة أكثر مِن مرة، ولكن دعينا مِن الخوض في نيات الناس، وتأويل نظراتهم ومشاعرهم على ما سبَق لدينا من رصيدٍ سيئ، وأفعالٍ مشينة منهم.

 

الإسلامُ لا يعني الضعف والخنوع، ولا يحضُّ على التذلُّل والانكسار إلا لله الخالقِ، ولا يُشجِّع على امتهان النفس ولو لأقرب الأقربين إلينا، ولكنه دينُ التوازن والاعتدال، ومنح كل ذي حقٍّ حقه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضِرار))، وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126]، فلا يمنعنكم أحد مِن أخذ حقكم ممن ظلمكم، ورد الظلم عن أنفسكم بما تستطيعون دون تعدٍّ أو تجبُّر.

 

صلة الرَّحِم واجبةٌ، وقطعُها كبيرةٌ مِن الكبائر، لكن مفهوم صلة الرحم لا يَستَلْزِم أن يتحمَّل المرءُ مِن أرحامه ما لا يطيق، ولا يعني أن يُطَأْطئ الرأس أمام كل هفوة، فتعامل الوالدة مع أخيها يجب أن يجمعَ بين القوة والإنصاف، لا يمنعها مانعٌ مِن تبيين اعتداء زوجته عليكم قولًا أو فعلًا، لا يمنعها مانع مِن بذْلِ النُّصْح لأخيها بلغةٍ قويةٍ غير مستكينة أو خانعة؛ فتاركُ الصلاةِ لا بد أن يُنصحَ وتُوضَّح له خطورة ما هو عليه، وتكرار النصح له أكثر مِن مرة، وترهيبه مِن عذاب الله وما ينظره مِن أثر غضب الله وسخطه، فإن لم يَتُبْ وأَصَرَّ على ترك الصلاة فيُشرع هجرتُه مع تَبْيِين سبب قطع الصلة به وإعلانها له وللناس، فكيف لو كان شديدَ الأذى، مُتكرر العدوان على أرحامه؟!

 

إن مما تَحْزَن له النفس، ويَنْفَطِر له القلب أن نرى قوة أصحاب المعاصي وصُمُودهم على موقفهم، وضعف أهل الحق وترددهم في طَرْحِ وإظهار الحق!

 

هم المعتدون وهم العاصون، وهم الذين يجب أن يخشوا مَن حولهم، ويرتقبوا العقاب والهجران والقطيعة والشدة في التعامل من أهلهم.

 

ولنأخذ موقف خطبتك مثالًا، ماذا جرَّأهم على التقول عليكِ أو على والدتكِ إلا سابق علمهم بأنكم ليس لكم مِن الأمر شيء؟ وما مَنَعَكم أن تَفْضَحوا أمرهم أمام مَن تقوَّلوا عليكم عنده، وتبينوا بطلان ادعائهم وزيف قولهم وسوء فعلهم؟ قال عز وجل: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 148].

 

يا أختي، نحن نظن أن أخْذَ الحق سيجلب علينا الويلات، وسيجر إلينا المشكلات، وهذا غيرُ صحيح؛ فالمؤمنُ كيسٌ فطنٌ قويٌّ صلب في وجه كل باطلٍ، على ألا يظلمَ أو يعتدي أو يأخذ أكثر مِن حقِّه.

 

عليكم أن تكونوا أقوى في مواجهتهم، وتَنْزِعوا عنكم لباس الخوف مِن الناس، فهم مهما زاد بطشُهم وعلا صوتهم لا يَملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا، ولا يَجْلبون رزقًا أو يمنعونه.

 

والله الموفِّق، وهو الهادي إلى سواء السبيل

أ. مروة يوسف عاشور